عبد الله بن محمد الشيرازي الشافعي البيضاوي

192

أنوار التنزيل وأسرار التأويل ( تفسير البيضاوي )

( 58 ) سورة المجادلة مدنية وقيل العشر الأول مكي والباقي مدني ، وآيها اثنتان وعشرون آية بِسْمِ اللَّه الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إِلَى اللَّه واللَّه يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ ( 1 ) * ( قَدْ سَمِعَ اللَّه قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وتَشْتَكِي إِلَى اللَّه ) * روي أن خولة بنت ثعلبة ظاهر عنها زوجها أوس بن الصامت ، فاستفتت رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : « حرمت عليه » ، فقالت : ما طلقني فقال : « حرمت عليه » ، فاغتمت لصغر أولادها وشكت إلى اللَّه تعالى فنزلت هذه الآيات الأربع ، وقد تشعر بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أو المجادلة يتوقع أن اللَّه يسمع مجادلتها وشكواها ويفرج عنها كربها ، وأدغم حمزة والكسائي وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر دالها في السين . * ( واللَّه يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما ) * تراجعكما الكلام وهو على تغليب الخطاب . * ( إِنَّ اللَّه سَمِيعٌ بَصِيرٌ ) * للأقوال والأحوال . الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وزُوراً وإِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ( 2 ) * ( الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ) * الظهار أن يقول الرجل لامرأته أنت عليّ كظهر أمي مشتق من الظهر ، وألحق به الفقهاء تشبيهها بجزء أنثى محرم ، وفي * ( مِنْكُمْ ) * تهجين لعادتهم فيه فإنه كان من إيمان أهل الجاهلية ، وأصل يظهرون يتظهرون وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي يظهرون من أظاهر ، وعاصم يظهرون من ظاهر . * ( ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ ) * أي على الحقيقة . * ( إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ) * فلا تشبه بهن في الحرمة إلا من ألحقها اللَّه بهن كالمرضعات وأزواج الرسول ، وعن عاصم * ( أُمَّهاتِهِمْ ) * بالرفع على لغة بني تميم ، وقرئ ب « أمّهاتهم » وهو أيضا على لغة من ينصب . * ( وإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ ) * إذ الشرع أنكره . * ( وَزُوراً ) * منحرفا عن الحق فإن الزوجة لا تشبه الأم . * ( وإِنَّ اللَّه لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ) * لما سلف منه مطلقا ، أو إذا تيب عنه . والَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِه واللَّه بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ( 3 ) * ( وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا ) * أي إلى قولهم بالتدارك ومنه المثل : عاد الغيث على ما أفسد ، وهو بنقض ما يقتضيه وذلك عند الشافعي بإمساك المظاهر عنها في النكاح زمانا يمكنه مفارقتها فيه ، إذ التشبيه يتناول حرمته لصحة استثنائها عنه وهو أقل ما ينتقض به . وعند أبي حنيفة باستباحة استمتاعها ولو بنظرة شهوة . وعند مالك بالعزم على الجماع ، وعند الحسن بالجماع . أو بالظهار في الإسلام على أن قوله * ( يَظْهَرُونَ ) * بمعنى يعتادون الظهار إذ كانوا يظاهرون في الجاهلية ، وهو قول الثوري أو بتكراره لفظا وهو قول